عبد الملك الجويني
555
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولو فرض ما ذكرناه في المعاهدين - وهم أصحاب العهود المؤقتة - فهم كأهل الذمة إذا كانت مدة عهودهم لا تقصر عن أهل الضرب ، وإن كانت مدتهم سنة والعقل في ثلاث سنين ، أخذنا منهم حصة السنة ، ورجعنا في الباقي إلى القاتل . ولو كان القاتل يهودياً وأقاربه نصارى أو على العكس ، فللشافعي رضي الله عنه قولان : أقيسهما - أنا نضرب عليهم - وإن اختلفت مللهم - إذا ( 1 ) جمعهم الكفر ، كما نورث البعض من البعض [ وإن ] ( 2 ) اختلفت أديانهم ، والقول الثاني - أنا لا نضرب موجَب جنايةِ كافرٍ على من ليس من أهل ملته ؛ فإن ضرب العقل مبناه على التناصر ، وهذا [ مفقود ] ( 3 ) عند اختلاف الملل . ومما فرعه الأئمة في ذلك أن الذمي إذا جنى ، ولم نجد له عاقلة من الكفار ، [ حيث ] ( 4 ) تجب الدية ، [ فالدية مأخوذة ] ( 5 ) من ماله ، ثم هي تتأجل عليه حَسَب التأجل على العاقلة ، وليس لقائل أن يقول : الآجال أثبتت في حقوق العواقل تخفيفاً عليهم ، فإذا طالبنا القاتل ، فلا أجل ؛ لأن أصل الأجل ثابت ، وهذا كما أن الدية إذا تغلظت [ بشبه ] ( 6 ) العمد ، ضربت على العاقلة ، وإن كانوا لا يستحقون التغليظ عليهم . 10806 - ثم قال الأئمة : إذا كنا نضرب العقل على الذمي ، فلو وجدنا له أباً أو ابناً ، فهل نضرب عليهما ؟ فعلى وجهين : أصحهما - أنا لا نضرب عليهما ؛ فإنهما
--> = أحدهما - لبعد المسافة ، وهذا حكمه معروف . والثاني - الامتناع عن قبول الحكم بالضرب ، وحينئذ يكونون قد نقضوا عهد الذمة ، وليسوا أهلها . * تنبيه : تأمل في هذه الحواشي ، لتتأكد أنها ليست فروف نسخ ، فنسخة الأصل وحيدة ، وإنما المثبت في الصلب هو من ثمرة المعاناة في استكناه الصواب وتوسمه . ( 1 ) بمعنى " إذ " . ( 2 ) في الأصل : " فإن " . ( 3 ) في الأصل : " مقصود " . ( 4 ) زيادة لاستقامة الكلام . ( 5 ) في الأصل : " فالدية هي مأخوذة " . ( 6 ) في الأصل : " بستون " .